تقول ميليسا هوغنبوم، إن الدمى التي نقدمها لأطفالنا والخصال والسمات التي ننسبها إليهم قد تترك أثرا طويل الأمد في حياتهم.

تعشق ابنتي كل شيء لونه وردي ويناسب الفتيات. وقبل أن تتم عامها الثاني، كانت تختار دائما الثياب وردية اللون المنقوشة بالورود التي تباع عادة للفتيات. وعندما بلغت ثلاثة أعوام رأينا مجموعة من الأطفال يلعبون كرة القدم، واقترحت عليها أن تلعب مثلهم عندما تكبر، لكنها ردت بإصرار: "كرة القدم ليست للفتيات".

ونبهناها بحذر إلى أن الفتيات يلعبن كرة القدم أيضا، وإن كن أقل عددا من الفتيان، لكنها لم تقتنع. ورغم ذلك، فإن ابنتي مفعمة بالنشاط، وتحب التسلق والقفز، وكلها صفات كثيرا ما توصف بأنها تتعلق بالأطفال من الذكور.

لم أتوقع أن تفصح ابنتي عن هذه الأفكار حيال السلوكيات التي يجب أن يمارسها الفتيان والفتيات في هذا السن المبكرة، لكن بالنظر إلى القوالب النمطية السائدة في الكثير من المجتمعات حول العالم بشأن الصفات والسلوكيات والسمات التي ينبغي أن يتحلى بها الفتيان والفتيات منذ نعومة أظافرهم، فمن غير الصعب أن تعرف جذور هذه الأفكار.

Image description

وبالرغم من أن هذه الفوارق المبكرة قد تبدو غير مضرة، إلا أنها مع الوقت تترك أثرا طويل الأمد على الطريقة التي ينظر بها الأطفال إلى أنفسهم مع التقدم بالعمر، والقرارات التي يتخذونها وكذلك سلوكياتهم في المجتمع الذي يعيشون فيه.

وتترسخ هذه القوالب النمطية الجنسانية وتؤثر في المجتمع الذي يروج، دون أن يدري، لقيم لها علاقة بالاستعلاء الذكوري السام، الذي يشوه صورة المجتمع بأكمله، مهما اختلفت أفكارنا وتوجهاتنا. إذا، كيف يترك شغفنا بالقوالب النمطية الجنسانية هذا الأثر طويل الأمد على عالمنا؟

ومنذ قرون عديدة، درج الناس على الاعتقاد أن النساء أقل ذكاء من الرجال. وأجريت أبحاث علمية عديدة للبحث عن الفوارق التي تغذي هذا الاعتقاد. ومع مرور الوقت، فندت دراسات عديدة الكثير من الفوارق المزعومة بين الجنسين، لكن التحيزات الجنسانية لا تزال متجذرة في المجتمعات حول العالم.

وقد تتجلى هذه التحيزات في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع الأطفال. فقد أشارت أبحاث إلى أن تعامل الآباء والأمهات ومقدمي الرعاية مع الفتيات يختلف عن تعاملهم مع الفتيان، حتى لو لم يقصدوا ذلك. وتبدأ هذه التحيزات قبل الولادة، إذ يختلف وصف الأمهات لحركات الأجنة في أرحامهن عندما يكتشفن أن الجنين ذكر. فقد تصفه بأنه "قوي" أو "عنيف"، لو كان ذكرا، لكنها لن تلاحظ أي اختلافات لو لم تعرف جنس الجنين.

ومنذ أن ظهر التصوير بالموجات فوق الصوتية، دائما ما يسأل الناس الآباء والأمهات إن كان المولود ذكرا أم أنثى، وقبل ذلك كانوا يخمنون جنس المولود من حجم البطن وشكلها. وقد نستخدم كلمات مختلفة لوصف الفتيات والصبيان، حتى لو كانوا يمارسون نفس السلوك. وينسب المجتمع سمات وخصائص وهوايات معينة للذكور والإناث، وترسخها تدريجيا الدمى التي تبيعها الشركات للفتيات أو الفتيان.

وتؤدي الطريقة التي يلعب بها الأطفال دورا محوريا في نموهم العقلي، لأنها تنمي مهارات الأطفال واهتماماتهم. إذ تشجع المكعبات الأطفال على البناء، بينما تشجعهم الدمى على الرعاية والاعتناء. وتقول كريستيا براون، أستاذة علم النفس بجامعة كنتاكي: "عندما تفرض ألعاب تنمي نوعا واحدا من المهارات على نصف المجتمع، فسيكتسب نصف المجتمع مهارات معينة أو يصبح لديه اهتمامات معينة".

ومن المعروف أن الأطفال كالمحققين الصغار، يبحثون دوما عن الفئة التي ينتمون إليها من خلال الاقتداء بمن حولهم. وبمجرد ما يفهمون النوع الاجتماعي الذي ينسجمون معه، ينجذبون تلقائيا إلى الفئة التي فرضت عليهم منذ الميلاد. ولهذا تبحث معظم الفتيات من سن عامين، عن السلع وردية اللون، بينما يتجنبها الفتيان. وقد لاحظت بنفسي أن طفلتي عندما كانت في سن عامين، كانت ترفض بإصرار ارتداء أي شيء ترى أنه صبياني، رغم محاولاتي المضنية لتجنب القوالب النمطية للجنسين عند شراء ملابسها.

Image description

وليس من المستغرب أن يشعر الأطفال بالارتباط بالنوع الاجتماعي الذي ينتمون له من سن مبكرة، ولا سيما لأن الآباء والأمهات والأصدقاء في الغالب يقدمون للأطفال دمى ترتبط بالسلوكيات المتوقعة من الفتيات أو الفتيان. وتقول كورديليا فاين، الأخصائية النفسية بجامعة ملبورن، إن الأطفال بمجرد ما يفهمون الصفات المرتبطة بالنوع الاجتماعي الذي ينتمون له، يصبحون أكثر انتباها للصور النمطية المرتبطة بهويتهم الجنسانية. وهذا يؤثر على سلوكياتهم.

وأشارت دراسة إلى أن الطريقة التي تعرض بها الدمية قد تؤثر على اهتمام الطفل بها. فالدمية التي يلعب بها الفتيان عادة، قد تلفت نظر الفتيات إذا كان لونها ورديا، على سبيل المثال.

ورغم ذلك، فإن الفتيان يستمتعون أيضا باللعب بالدمى وعربات الأطفال، لكننا لا نشتريها لهم في المعتاد. ويستمتع طفلي أيضا بالاعتناء بالدمية ووضعها في عربة الأطفال كاستمتاع أخته بالاعتناء بها. وتقول براون: "الفتيان في السنوات الأولى من العمر يتمتعون بالعطف، ويحبون الرعاية بالصغار، لكننا نعلمهم منذ الصغر أن هذه المهارات للفتيات وقد نعاقبهم على ممارستها".

وإذا وبخنا الفتيان كلما لعبوا بالدمى التي نرى أنها ترتبط بالسلوكيات الأنثوية، فسنحرمهم من مهارات قد يحتاجون إليها في السنوات اللاحقة من عمرهم. وإذا سخر منهم أقرانهم عند اللعب بالدمى، ولاحظوا أن أمهاتهم يتحملن النصيب الأكبر من أعباء رعاية الأطفال، فكيف سيكون رأيهم عن الشخص المسؤول عن الرعاية؟ وهذا يقودنا إلى مبدأ "الحتمية البيولوجية" أي عزو بعض السلوكيات إلى خصائص فطرية رغم أننا إذا أمعنا النظر فيها سنجد أنها سلوكيات مكتسبة.

وتخضع الخصال أيضا للتنميط الاجتماعي، فالآباء والأمهات، كثيرا ما يتحدثون عن صخب أبنائهم واستمتاعهم باللعب العنيف، بينما يثنون على وداعة بناتهم ورقتهن، رغم أن الأدلة تثبت العكس.

فقد أثبتت دراسات أن توقعاتنا قد تشكل نظرتنا للآخرين ولأنفسنا. وفي إحدى الدراسات، نسب آباء وأمهات الوجوه الغاضبة إلى الفتيان، والمبتسمة والحزينة إلى الفتيات. وتركز الأمهات على السمات البدنية لأبنائهن، ويضعن أهدافا أكثر جرأة لهم مقارنة ببناتهن. وقد يعمدن إلى المبالغة في وصف قدرات أبنائهن على الحبو مبكرا، رغم أن الأبحاث أثبتت أنه لا فرق بين الفتيات والفتيان في القدرات البدنية. فقد تؤثر تحيزات الناس على أطفالهم وترسخ القوالب النمطية.

ويقال إن الفتيات يتعلمن النطق في سن أصغر مقارنة بالفتيان، وقد يرجع ذلك، رغم قلة الأدلة، إلى أن الأمهات يتحدثن مع الفتيات أكثر مما يتحدثن مع الفتيان في سن الرضاعة، وقد يتحدثن أكثر عن العواطف مع الفتيات.

وتفسر براون رسوخ هذه المعتقدات الخاطئة عن سلوكيات الفتيات والفتيان، إلى أننا نتغاضى عن السلوكيات التي لا تطابق القوالب النمطية التي نتوقعها. وتقول: "قد لا تنتبه إلى الصبي عندما يقرأ كتابا بهدوء، أو لا يلفت نظرنا ركض الفتيات في المنزل ولعبهن الصاخب. فأدمغتنا تتجاهل المعلومات التي تخالف القوالب النمطية".

وعندما يحاول الآباء والأمهات تحدي القوالب النمطية للجنسين، قد يشترون لبناتهم الدمى والملابس التي تباع عادة للفتيان، وليس العكس. وذلك لأن الذكور يعدون دائما الجنس القوي والمهيمن، ولهذا قد يمنع الآباء والأمهات، إما سرا أو علنا، أبناءهم من اقتناء السلع التي تناسب الفتيات. وتصف فاين ذلك بأنه: "تجليات التسلسل الهرمي الجنساني، حين يستجيب الفتيان للوصم الاجتماعي حيال السلوكيات الأنثوية حتى في هذه السن المبكرة".

وهذا يكشف عن أسباب تقبل الآباء والأمهات لارتداء بناتهم ملابس خاصة بالفتيان أكثر من تقبلهم لارتداء أبنائهم ملابس خاصة بالفتيات. وقد يتفاخر الآباء والأمهات بأن بناتهم يتصرفن كالصبيان، لكن يبدو أن العكس هو الصحيح مع الفتيان الذين يتصرفون كالفتيات.

وبينما يتفق الباحثون على أن التوقعات الاجتماعية تشكل خيارات الأطفال للدمى والألعاب، فإن ثمة جدلا أثير حول ما إن كانت هذه الميول والاهتمامات بالألعاب الخاصة بالذكور أو الإناث فطرية أم مكتسبة. فثمة أدلة على أن الفتيات اللائي تعرضن لنسب عالية من هرمون الأندروجين في أرحام أمهاتهن يفضلن اللعب بالدمى التي تباع عادة للفتيان. لكن فاين تشير إلى أن البيئة أيضا تسهم في تشكيل ميولهن واهتماماتهن.

ومن المعروف أن الأطفال يمكنهم ملاحظة الفوارق بين الجنسين من سن مبكرة، ثم يواصل البالغون والأقران توجيه سلوكياتهم ووضع توقعات لها، وهذا يؤدي إلى ظهور التحيزات الجنسانية.

إذ تشير دراسات على سبيل المثال إلى أن أداء الفتيات لا يقل عن أداء الصبيان في الرياضيات في مرحلة رياض الأطفال، لكن الفجوة بينهما تظهر وتتسع لاحقا بسبب توقعات المعلمين. وتقول فاين إن القوالب النمطية الجنسانية التي يكرسها المجتمع تخالف مبدأ المساواة بين الجنسين، لأن النوع الاجتماعي لا ينبغي أن يشكل اهتماماتك أو مستقبلك.

ولاحظ باحثون في إحدى الدراسات أن المنطقة المسؤولة عن معالجة الصور في أدمغة الفتيات اللائي مارسن لعبة "تتريس" التي تباع عادة للفتيان، لمدة ثلاثة أشهر، كانت أكبر حجما مقارنة بأدمغة نظيراتهن اللائي لم يلعبنها. وهذا يدل على أنه أدمغة الفتيان والفتيان تتغير بحسب الهوايات التي تعرض عليهم ويمارسونها.

وتقول جينا ريبون، عالمة الأعصاب بجامعة أستون، إن التحيزات الجنسانية في المجتمع تشكل أدمغة وميول أفراده. وتُجبر هذه الثقافة الصبيان على التصرف وفقا لتوقعات المجتمع بشأن الصفات والسلوكيات الذكورية، لئلا يتعرضون للنبذ من أقرانهم. وإذا ركزنا على الاختلافات، سنقبل الأكاذيب التي تشاع عن الفوارق بين الجنسين، مثل تفوق الصبيان على الفتيات في العلوم.

وقد تعمد النساء إلى الاستخفاف بأدائهن في اختبارات الرياضيات، في حين يعمد الرجال إلى المبالغة في تقدير أدائهم في نفس الاختبارات. وأشارت دراسة إلى أن النساء يحصلن على درجات أقل في الاختبارات إذا قيل لهن قبلها إن جميع المشاركات النساء أحرزن درجات أقل من الرجال.

والمشكلة أن التشديد على الصفات والسلوكيات الذكورية في السنوات الأولى من العمر، يرتبط ارتباطا وثيقا بالعنف الجنسي ضد المرأة. وتقول ميغان ماس، الأخصائية النفسية بجامعة ميشيغان، إن الأفراد الذين يرتكبون جرائم عنف جنسي يتبنون في الغالب معتقدات عن الذكورية العدوانية، أي أن الرجال عنيفون بطبيعتهم وأنهم يحتاجون لإرضاء غرائزهم الجنسية وأن النساء مطيعات بطبيعتهن.

وأشارت دراسات إلى أن الفتيات الشغوفات بالأميرات، أكثر اهتماما بمظهرهن، وأكثر عرضة إلى اعتبار أنفسهن مجرد أداة لإشباع الرغبة الجنسية. وكانت الفتيات اللائي أحرزن درجات أعلى في استطلاع رأي لتقييم مدى تأييدهن للقوالب النمطية الجنسانية أقل اهتماما بالخصال المرتبطة بالذكاء والتفوق.

ونشرت براون وفريقها ورقة بحثية في عام 2020، تشير إلى أن الاعتداءات الجنسية التي يرتكبها الرجال ضد النساء أصبحت أكثر انتشارا بسبب القيم التي نزرعها في أطفالنا. وتقول براون: "إن تحديد الأشياء الجنسية للفتيات (بمعاملة الفتيات على أنهن سلعة لإشباع الرغبات الجنسية) يبدأ في سن مبكرة".

وربما لا تزال هذه الأفكار والمعتقدات مستمرة بسبب المزاعم بأن هناك اختلافات فطرية بين أدمغة الرجال والنساء، رغم أن معظم الدراسات التي اعتمدت على التصوير بالأشعة فوق الصوتية لم تجد أي اختلافات بين الجنسين ولم تذكر شيئا عن الاختلافات الجنسانية.

وحتى الدراسات التي لاحظت اختلافات طفيفة بين الجنسين، كان من الصعب معرفة مدى اسهام الثقافات والتوقعات الاجتماعية في هذه الاختلافات.

أما عن الاستجابات النفسية للمواقف التي تثير التعاطف، فقد أشارت دراسة إلى أن ردود فعل الرجال والنساء كانت مماثلة.

ولهذا فإن أي تغيير في نظرتنا للرجال والنساء سيكون مرهونا بفهم هذه التحيزات والانتباه للتصورات المسبقة التي تخالف السلوكيات التي يمارسونها. فالاختلافات الطفيفة في التوقعات عن سلوكيات الفتيات والفتيان قد تتراكم مع الوقت.

ولهذا ينبغي على الآباء والأمهات الذين يعتقدون أن الصبيان أكثر نشاطا وصخبا من الفتيات، أن يراقبوا أبناءهم وبناتهم في الأوقات التي يخالفون فيها هذه التوقعات. فإن ابنتي بالتأكيد ليست أقل صخبا من أخيها، إن لم تكن أكثر صخبا منه، في حين أن أخاها يعشق التظاهر بالطبخ. وهذا يخالف توقعاتنا عن ميول الفتيات والصبيان.

وعندما يشير أطفالنا إلى الفوارق بين الجنسين، وقد يجدر بنا أن نساعدهم بإعادة النظر في القوالب النمطية للجنسين، فقد نخبرهم أن الفتيات يمكنهن لعب كرة القدم وأن الصبيان بإمكانهم أن يطيلوا شعورهم. وقد نشجع أطفالنا على الحصول على ألعاب متنوعة بغض النظر عن النوع الاجتماعي الذي تستهدفه.

وتقول ماس: "يجب أن نتيح للأطفال أكبر قدر من الفرص لتجربة الألعاب التي تخالف الصور النمطية لألعاب الفتيات والصبيان".

وقد تستمر هذه التحيزات الجنسانية ما لم ندرك أن أوجه الاختلاف بين الفتيات والصبيان منذ الولادة أقل كثيرا من أوجه الشبه، وأن نعامل أطفالنا وفق هذا المبدأ. ولا شك أن تفنيد هذه التصورات النمطية لن يكون هينا، لكن ربما يجدر بنا أن نفكر مليا قبل أن نثني على شجاعة ابننا الصغير أو رقة أو مثالية ابنتنا الصغيرة.